العلامة المجلسي
204
بحار الأنوار
فهذا أوسط أحواله فليتأمله ، وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى : " ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء انشره " ( 1 ) ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته ، فيعود جمادا كما كان أول مرة لا تبقى إلا شبه أعضائه ولا صورته لا حس فيها ولا حركة ، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة قذرة ، ثم تبلى أعضاؤه وصورته ، وتفتت أجزاؤه ، وتنخر عظامه ، فتصير رميما ورفاتا ، فتأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما ، وبخديه فيقطعهما ، وبساير أجزائه فتصير روثا في أجواف الديدان ، وتكون جيفة تهرب منه الحيوان ، ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الانتان . وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ، أو يعمر به البنيان ، ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا ، وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان أول مرة أمدا مديدا . وليته بقي كذلك ، فما أحسنه لو ترك ترابا ، لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره عد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة ، فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزقة مشققة ، وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة ، وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر . ويرى صحائف منشورة ، فيقال له : " اقرأ كتابك " فيقول : وما هو ؟ فيقال : كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها ، وتتكبر بنعيمها ، وتفتخر بأسبابها ، ملكان رقيبان ، يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله ، من قليل وكثير ، ونقير وقطمير ، وأكل وشرب ، وقيام وقعود ، وقد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب ، أو يساق إلى دار العذاب ، فينقطع قلبه هول هذا الخطاب ، من قبل أن ينشر الصحف ، ويشاهد ما فيها من مخازيه ، فإذا شاهدها قال : " يا ويلتنا ما لهذا
--> ( 1 ) عبس : 21 - 22 .